توحيد المفضّل
سمع المفضّل ابن أبي العوجاء والى جانبه رجل من أصحابه في مسجد النبي صلّى اللّه عليه وآله وهما يتناجيان في ذكر النبي صلّى اللّه عليه وآله ويستغربان من حِكمته وحظوته، ثمّ انتقلا الى ذكر الأصل فأنكر وجوده ابن أبي العوجاء وزعم أن الاشياء ابتدأت بإهمال، فأزعج ذلك المفضّل فلم يملك نفسه غضباً وغيظاً، ثمّ أنحى عليه يسبّه، وبعد مناظرة جرت بينهما قام المفضّل ودخل على الصادق عليه السّلام، والحزن لائح على شمائله، يفكر فيما ابتلى به الاسلام وأهله من كفر هذه العصابة وتعطيلها، فسأله الصادق عليه السّلام عن شأنه
{ 150 }
حين رأى الانكسار بادياً على وجهه، فأخبره بما سمعه من الدهريّين، وبما ردّ عليهما به، فقال الصادق عليه السّلام: لألقينّ اليك من حِكمة الباري جلّ وعلا في خلق العالم والسباع والبهائم والطير والهوام وكلّ ذي روح من الأنعام، والنبات والشجرة المثمرة وغير ذات الثمر والحبوب والبقول المأكول وغير المأكول ما يعتبر به المعتبرون، ويسكن إِلى معرفته المؤمنون ويتحيّر فيه الملحدون فبكّر عليّ غداً.
حقّاً لقد ألقى الصادق عليه السّلام على المفضّل من البيان ما أنار به الحجّة وأوضح الشبهة، ولم يدع للشكّ مجالاً، وللشبهة سبيلاً، وأبدى من الكلام عن بدائع خلائقه، وغرائب صنائعه، ما تحار منه الألباب، وتندهش منه العقول، وأظهر من خفايا حِكمه ما لا يهتدي إِلا أمثاله ممّن اوتي الحِكمة وفصل الخطاب.
وكلّما حاولت أن أنتخب فصولاً خاصّة من تلك البدائع لم أطق، لأني أجدها كلّها منتخبة، وأن أقتطف من كلّ روضة زهرتها اليانعة لم أستطع لأني أراها كلّها وردة واحدة في اللون والعرف، فما رأيت إِلا أن أذكر من كلّ فصل أوّله، واشير إِلى شيء منه، والفصول أربعة:
- 1 -
قال عليه السّلام - بعد أن ذكر عمى الملحدين وأسباب شكّهم وتهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه وانتظامها -: نبتدئ يا مفضّل بذكر خلق الانسان فاعتبر به، فأوّل ذلك ما يدبر به الجنين في الرحم وهو محجوب في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة(1) حيث لا حيلة عنده في طلب
______________________________
(1) الثوب الذي يكون فيه الجنين.
{ 151 }
غذاه، ولا دفع أذى، ولا استجلاب منفعة، ولا دفع مضرّة، فإنّه يجري اليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذو الماء النبات، فلا يزال ذلك غذاءه حتّى اذا كمل خلقه واستحكم بدنه، وقوي أديمه(1) على مباشرة الهواء وبصره على ملاقاة الضياء هاج الطلق باُمّه فأزعجه أشدّ إِزعاج وأعنفه حتّى يولد، واذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم اُمّه الى ثديها، فانقلب الطعم واللون الى ضرب آخر من الغذاء، وهو أشدّ موافقة للمولود من الدم، فيوافيه في وقت حاجته اليه، فحين يولد قد تلمّظ وحرّك شفتيه طلباً للرضاع، فهو يجد ثدي اُمّه كالأداوتين(2) المعلّقتين لحاجته اليه، فلا يزال يغتذي باللبن مادام رطب البدن رقيق الأمعاء ليّن الأعضاء، حتّى اذا تحرّك واحتاج الى غذاء فيه صلابة ليشتدّ ويقوى بدنه طلعت له الطواحن من الأسنان والأضراس، ليمضغ بها الطعام فيلين عليه وتسهل له إساغته، فلا يزال كذلك حتّى يدرك، فاذا أدرك وكان ذكراً طلع الشعر في وجهه فكان ذلك علامة الذكر وعِزّ الرجل الذي يخرج به من حدّ الصبي وشبه النساء، وإِن كانت اُنثى يبقى وجههاً نقيّاً من الشعر لتبقى لها البهجة والنضارة التي تحرّك الرجال لما فيه دوام النسل وبقاؤه.
إِعتبر يا مفضّل فيما يدبر الانسان في هذه الأحوال المختلفة، هل ترى يمكن أن يكون بالإهمال ؟ أفرأيت لو لم يجر اليه ذلك الدم وهو في الرحم، ألم يكن سيذوي ويجفّ كما يجفّ النبات اذا فقد الماء ؟ ولو لم يزعجه المخاض عند استحكامه، ألم يكن سيبقى في الرحم كالموؤد في الأرض ؟ ولو لم يوافقه اللبن مع ولادته، ألم يكن سيموت جوعاً أو يغتذي بغذاء لا يلائمه ولا يصلح عليه بدنه ؟
______________________________
(1) جلده.
(2) تثنية أداوة - بالكسر - إِناء صغير من جلد يتّخذ للماء.
{ 152 }
ولو لم تطلع عليه الأسنان في وقتها، ألم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام وإِساغته، أو يقيمه على الرضاع فلا يشدّ بدنه ولا يصح لعمل، ثمّ كان تشتغل اُمّه بنفسه عن تربية غيره من الأولاد ؟ ولو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته، ألم يكن سيبقى في هيئة الصبيان والنساء، فلا ترى له جلالاً ولا وقاراً ؟ فمَن هذا الذي يرصده حتّى يوافيه بكلّ شيء من هذه المآرب إِلا الذي أنشأه خلقاً بعد أن لم يكن، ثمّ توكّل له بمصلحته بعد أن كان، فإن كان الإهمال يأتي بمثل هذا التدبير فقد يجب أن يكون العمد والتقدير يأتيان بالخطأ والمحال لأنهما ضدّ الإهمال، وهذا فظيع من القول وجهل من قائله، لأن الإهمال لا يأتي بالصواب، والتضادّ لا يأتي بالنظام، تعالى اللّه عمّا يقول الملحدون علوّاً كبيراً.
أقول: إِن الإهمال دوماً يأتي بالخطأ كما نشاهده عياناً، أرأيت لو وجّهت الماء الى الزرع وأهملت تقسيمه على الألواح أيسقي الألواح كلّها من دون خلل، أو إِذا نثرت البذر في الأرض من دون مناسبة أيخرج الزرع بانتظام، أو إِذا جمعت قطعاً من خشب وواصلتها بمسامير أتكون كرسيّاً أو باباً من دون تنسيق.
ثمّ قال عليه السّلام: ولو كان المولود يولد فهماً عاقلاً لأنكر العالم عند ولادته، ولبقي حيران تائه العقل إِذا رأى ما لم يعرف، وورد عليه ما لم يرَ مثله من اختلاف صور العالم من البهائم والطير إِلى غير ذلك ممّا يشاهده ساعة بعد ساعة ويوماً بعد يوم، واعتبر ذلك بأن من سبي من بلد إِلى بلد وهو عاقل يكون كالواله الحيران فلا يسرع في تعلّم الكلام وقبول الأدب كما يسرع الذي يسبى صغيراً غير عاقل، ثم لو ولِد عاقلاً كان يجد غضاضة إِذا رأى نفسه محمولاً مرضعاً معصّباً بالخرق مسجّى في المهد، لأنه لا يستغني عن هذا كلّه لرقّة بدنه ورطوبته حين يولد، ثمّ كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل، فصار يخرج الى الدنيا غبيّاً غافلاً عمّا فيه أهله فيلقى الأشياء بذهن ضعيف
{ 153 }
ومعرفة ناقصة ثمّ لا يزال يتزايد في المعرفة قليلاً قليلاً وشيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال، حتّى يألف الأشياء ويتمرّن ويستمرّ عليها، فيخرج من حدّ التأمّل لها والحيرة فيها الى التصرّف والاضطراب في المعاش بعقله وحيلته والى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية، وفي هذا أيضاً وجوه اُخر فإنه لو كان يولد تامّ العقل مستقلاً بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد، وما قدر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة، وما يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكافاة بالبّر والعطف عليهم عند حاجتهم الى ذلك منهم، ثمّ كان الأولاد لا يألفون آباءهم ولا يألف الآباء أبناءهم، لأن الأولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم فيتفرّقون عنهم حين يولدون، فلا يعرف الرجل أباه واُمّه ولا يمتنع من نكاح اُمّه واُخته وذوات المحارم منه إِذ لا يعرفهنّ، وأقلّ ما في ذلك من القباحة، بل هو أشنع وأعظم وأفظع وأقبح وأبشع لو خرج المولود من بطن اُمّه وهو يعقل أن يرى منها ما لا يحلّ له، ولا يحسر به أن يراه، أفلا ترى كيف اُقيم كلّ شيء من الخلقة على غاية الصواب وخلا من الخطأ دقيقه وجليله.
أقول: إِن بعض هذا البيان البديع من الامام عن تدرج الانسان في نموّه، ونموّه في أوقاته كافٍ في حكم العقل بأنّ له صانعاً صنعه عن علم وحِكمة وتقدير وتدبير.
ثمّ أن الصادق عليه السّلام جعل يذكر فوائد البكاء للأطفال من التجفيف لرطوبة الدماغ وأن في بقاء الرطوبة خطراً على البصر والبدن.
ثمّ ساق البيان الى جعل آلات الجماع في الذكر والاُنثى على ما يشاكل أحدهما الآخر، ثمّ ذكر أعضاء البدن والحِكمة في جعل كلّ منها على الشكل الموجود، وههنا يقول له المفضّل: يا مولاي إِن قوماً يزعمون أن هذا من فعل
{ 154 }
الطبيعة، فيقول له الامام: سلهم عن هذه الطبيعة أهي شيء له علم وقدرة على مثل هذه الأفعال، أم ليست كذلك ؟ فإن أوجبوا لها العلم والقدرة فما يمنعهم من إِثبات الخالق، فإن هذه صفته، وإِن زعموا أنها تفعل هذه الأفعال بغير علم ولا عمد وكان في أفعالها ما قد تراه من الصواب والحِكمة علم أن هذا الفعل للخالق الحكيم وأن الذي سمّوه طبيعة هو سنّة في خلقه الجارية على ما أجراه عليه.
أقول: انظر إِلى قول أهل الطبيعة فإنهم جروا على نسق واحد من عهد الصادق عليه السّلام إِلى اليوم، وكأنهم لم يتعقّلوا هذا الجواب القاطع لحججهم أو أغضوا عنه إِصراراً على العناد والجحود.
إِن الامام حصر الطبيعة بين اثنين لا ثالث لهما، وذلك لأنها إِمّا أن تكون ذات علم وحِكمة وقدرة، أو تكون خالية عن ذلك كلّه، فإن كان الأوّل فهي ما نثبته للخالق، ولا فارق إِذن بينهم وبيننا إِلا التسمية، وإِن كان الثاني كان اللازم أن تكون آثارها مضطربة لا تقدير فيها ولا تدبير شأن من لا يعقل ويبصر ويسمع في أفعاله، ولكننا نشاهد الآثار مبنيّة على العلم والحِكمة والقدرة والتقدير، فلا تكون إِذن من فعل الطبيعة العمياء الصمّاء وكانت الطبيعة غير اللّه العالم القادر المدبّر ولا تكون الطبيعة إِذن إِلا سنّته في خلقه، لا شيء آخر له كيان مستقلّ عن خالق الكون.
ثمّ أن الامام عليه السّلام عاد الى كلامه الأول فتكلّم عن وصول الغذاء الى البدن وكيفيّة انتقال صفوه من المعدة الى الكبد في عروق رقاق واشجة بينها قد جعلت كالمصفى للغداء، ثمّ صيرورته دماً ونفوذه الى البدن كلّه في مجار مهيّأة لذلك، ثمّ كيفيّة تقسيمه في البدن وبروز الفضلة منه، فكأنما الامام كان الطبيب النطاسي الذي لم يماثله أحد في الطب، والعالِم الماهر في التشريح الذي
{ 155 }
قضى عمره في عملية التشريح، بل كشف الامام في هذا البيان (الدورة الدموية) التي يتغنّى الغربيّون باكتشافها وقد سبقهم اليها بما يقارب اثني عشر قرناً.
ثمّ ساق كلامه الى نشوء الأبدان ونموّها حالاً بعد حال، وما شرّف اللّه به الانسان من الميزة في الخلقة على البهائم، ثمّ استطرد الكلام الى الحواسّ التي خصّ اللّه بها الانسان وفوائد جعلها على النحو الموجود، واختصاص كلّ منها بأثر لا تؤدّيه الثانية، وهكذا يفيضفي بيانه عن الأعضاء المفردة والمزدوجة والأسباب التي من أجلها جعلها على هذا التركيب، الى أن يطّرد في بيانه عمّا منحه الجليل من النِّعم في المطعم والمشرب، وما جعل فيه من التمايز في الخلقة حتّى لا يشبه أحد الآخر.
إِلى أن يقول عليه السّلام: لو رأيت تمثال الانسان مصوّراً على حائط فقال لك قائل: إِن هذا ظهر ههنا من تلقاء نفسه لم يصنعه صانع، أكنت تقبل ذلك ؟ بل كنت تستهزئ به، فكيف تنكر هذا في تمثال مصوّر جماد ولا تنكر في الانسان الحيّ الناطق.
أقول: ما أقواها حجّة، وأسماه بياناً، وأن كلّ ناظر فيه من أهل كلّ قرن يكاد أن يقول: إنه أتى به لأهل زمانه وقرنه في الحجّة والاسلوب لما يجده من ملائمة البيان والبرهان.
- 2 -
ثمّ أنه في اليوم الثاني أورد على المفضّل الفصل الثاني وهو في خلقة الحيوان فقال عليه السّلام: أبتدئ لك بذكر الحيوان ليتّضح لك من أمره ما وضح لك
{ 156 }
من غيره، فكّر في أبنية أبدان الحيوان وتهيئتها على ما هي عليه، فلا هي صلاب كالحجارة، ولو كانت كذلك لا تنثني ولا تتصرّف في الأعمال ولا هي على غاية اللين والرخاوة، فكانت لا تتحامل ولا تستقلّ بأنفسها، فجعلت من لحم رخو ينثني تتداخله عظام صلاب يمسكه عصب وعروق تشدّه وتضّم بعضه الى بعض، وعليت(1) فوق ذلك بجلد يشتمل على البدن كلّه.
ومن أشباه ذلك هذه التماثيل التي تعمل من العيدان وتلفّ بالخرق وتشدّ بالخيوط ويطلى فوق ذلك بالصمغ، فتكون العيدان بمنزلة العظام والخرق بمنزلة اللحم، والخيوط بمنزلة العصب والعروق، والطلاء بمنزلة الجلد، فإن جاز أن يكون الحيوان المتحرّك حدث بالإهمال من غير صانع، جاز أن يكون ذلك في هذه التماثيل الميّتة، فإن كان هذا غير جائز في التماثيل فبالحريّ ألا يجوز في الحيوان.
وفكّر بعد هذا في أجساد الأنعام فإنها خُلقت على أبدان الإنس من اللحم والعظم والعصب اُعطيت أيضاً السمع والبصر، ليبلغ الانسان حاجياته منها، ولو كانت عمياً صمّاً لما انتفع بها الانسان، ولا تصرّفت في شيء من مآربه، ثمّ منعت الذهن والعقل لتذلّ للانسان، فلا تمتنع عليه إِذا كدَّها الكدّ الشديد، وحملها الحمل الثقيل، فإن قال قائل: إِنه قد يكون للانسان عبيد من الإنس يذلّون ويذعنون بالكدّ الشديد وهم مع ذلك غير عديمي العقل والذهن، فيقال في جواب ذلك: إِن هذا الصنف من الناس قليل، فأمّا اكثر البشر فلا يذعنون بما تذعن به الدواب من الحمل والطحن وما أشبه ذلك، ولا يقومون بما يحتاجون اليه منه، ثمّ لو كان الناس يزاولون مثل هذه الأعمال بأبدانهم لشغلوا بذلك عن
______________________________
(1) غلفت في نسخة.
{ 157 }
سائر الأعمال، لأنه كان يحتاج مكان الجمل الواحد والبغل الواحد الى عدّة اناسي، فكان هذا العمل يستفرّغ الناس حتّى لا يكون فيهم عنه فضل لشيء من الصناعات، مع ما يلحقه من التعب الفادح في أبدانهم والضيق والكدّ في معاشهم.
ثمّ أنه عليه السّلام أخذ يذكر المميّزات، لكلّ نوع من الأنواع الثلاثة للحيوان وهي: الانسان، وآكلات اللحوم، وآكلات النبات، وما يقتضي كلّ نوع منها حاجته من كيفيّة الأعضاء والجوارح، فيأتيك بلطائف الحكمة، وبدائع القدرة، ومحاسن الطبيعة.
ويدلّك على الحكمة في جعل العينين في وجه الدابّة شاخصتين والفم مشقوقاً شقاً في أسفل الخطم(1) ولم يجعل كفم الانسان، الى غير ذلك من خصوصيّات الأعضاء والجوراح.
ويرشدك الى الفطنة في بعضها اهتداءً لمصلحة كامتناع الايل(2) الآكل للحيّات عن شرب الماء، لأن شرب الماء يقتله، واستلقاء الثعلب على ظهره ونفخ بطنه اذا جاع، حتّى تحسبه الطير ميّتاً، فإذا وقعت عليه لتنهشه وثب عليها، الى غيرهما من الحيوانات، فيقول الصادق عليه السّلام: مَن جعل هذه الحيلة طبعاً في هذه البهيمة لبعض المصلحة ؟
ثمّ أنه عليه السّلام تعرّض في كلامه للذرة والنملة والليث، وتسمّيه العامّة أسد الذباب وتمام خلقة الذرة مع صغر حجمها، والنملة وما تهتدي اليه لاقتناء قوتها، والليث وما يهتدي اليه في اصطياد الذباب، ثمّ يقول: فانظر الى هذه
______________________________
(1) بفتح وسكون، من الطائر منقاره ومن الدابة مقدم أنفها وفمها.
(2) كقنب وخلب وسيد: الوعل.
{ 158 }
الدويبة كيف جعل في طبعها ما لا يبلغه الانسان إِلا بالحيلة واستعمال الآلات، فلا تزدر بالشيء اذا كانت العبرة فيه واضحة كالذرة والنملة وما أشبه ذلك، فإن المعنى النفيس قد يمثل بالشيء الحقير فلا يضع منه ذلك، كما لا يضع من الدينار وهو ذهب أن يوزن بمثقال من حديد.
ثمّ أنه عليه السّلام استطرد ذكر الطائر وكيف خفّف جسمه وأدمج خلقه وجعل له جؤجؤاً ليسهل أن يخرق الهواء الى غير ذلك من خصوصيّات خلقته، والحكمة في خلق تلك الخصوصيّات، وهكذا يستطرد الحكمة في خصوصيّات خلقة الدجاجة، ثمّ العصفور، ثمّ الخفّاش، ثمّ النحل، ثمّ الجراد، وغيرها من صغار الطيور، وما جعله اللّه فيها من الطبائع والفطن والهداية لطلب الرزق، وما سوى ذلك ممّا فيها من بدائع الخلقة.
ثمّ استعرض خلق السمك ومشاكلته للأمر الذي قدر أن يكون عليه، ثمّ يقول عليه السّلام: فاذا أردت أن تعرف سعة حِكمة الخالق وقصر علم المخلوقين، فانظر الى ما في البحار من ضروب السمك ودواب الماء والاصداف والأصناف التي لا تحصى ولا تعرف منافعها إِلا الشيء بعد الشيء يدركه الناس بأسباب تحدث... إِلى آخر كلامه، وبه انتهى هذا الفصل.
أقول: ليس العجب من خالق أمثال هذه الذرة والدودة وأصناف الأسماك الغريبة، التي اختلفت اشكالها، وتنوّعت الحِكمة فيها وليس العجب ممّن يهتدي الى الحِكمة في كلّ واحد من تلك المصنوعات بعد وجودها وتكوينها، وإِنما العجب ممّن ينكر فاطر السموات والأرضين وما فيهنّ وبينهنّ مع اتقان الصنعة، وإِحكام الخلقة، وبداعة التركيب، ولو نظر الجاحد الى نفسه مع غريب الصنع وتمام الخلق لكان اكبر برهان على الوجد ووحدانيّة الموجود.
{ 159 }
- 3 -
ثمّ بكّر المفضّل في اليوم الثالث فقال له الصادق عليه السّلام: قد شرحت لك يا مفضّل خلق الانسان وما دبر به وتنقّله في أحواله وما فيه من الاعتبار وشرحت لك أمر الحيوان، وأنا ابتدئ الآن بذكر السماء والشمس والقمر والنجوم والفلك والليل والنهار والحرّ والبرد والرياح والمطر والصخر والجبال والطين والحجارة والمعادن والنبات والنخل والشجر وما في ذلك من الأدّلة والعبر.
فكّر في لون السماء وما فيه من صواب التدبير، فإن هذا اللون أشدّ الألوان موافقة وتقوية للبصر، حتّى أن من وصفات الأطباء لمن أصابه شيء أضرَّ ببصره إِدمان النظر الى الخضرة، وما قرب منها الى السواد، وقد وصف الحذّاق منهم لمن كلَّ بصره الأطلاع في إِجانة(1) خضراء مملوءة ماءً، فانظر كيف جعل اللّه جلّ وتعالى أديم السماء بهذا اللون الأخضر الى السواد، ليمسك الأبصار المنقلبة(2) عليه، فلا تنكأ(3) فيها بطول مباشرتها له، فصار هذا الذي أدركه الناس بالفكر والرويّة والتجارب يوجد مفروغاً عنه في الخلقة، حِكمة بالغة ليعتبر بها المعتبرون، ويفكّر فيها الملحدون قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون.
فكّر يا مفضّل في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كلّه، فلم يكن الناس يسعون في معايشهم، وينصرفون
______________________________
(1) بكسر وتشديد.
(2) المتقلّبة في نسخة.
(3) أي لا يحصل فيها جرح وتضرّر.
{ 160 }
في اُمورهم والدنيا مظلمة عليهم ولم يكن يتهنَّون بالعيش مع فقدهم لذَّة النور وروحه، والارب في طلوعها ظاهر مستغن بظهوره عن الاطناب في ذكره، والزيادة في شرحه، بل تأمّل المنفعة في غروبها، فلولا غروبها لم يكن للناس هدوء ولا قرار مع عظم حاجتهم الى الهدوء والراحة لسكون أبدانهم، ووجوم(1) حواسهم، وانبعاث القوّة الهاضمة لهضم الطعام وتنفيذ الغذاء الى الأعضاء، ثمّ كان الحرص يستحملهم من مداومة العمل ومطاولته على ما يعظم نكايتة في أبدانهم، فإن كثيراً من الناس لولا جثوم(2) هذا الليل لظلمته عليهم لم يكن لهم هدوء ولا قرار حرصاً على الكسب والجمع والادّخار، ثمّ كانت الأرض تستحمي(3) بدوام الشمس ضياءها، وتحمي كلّ ما عليها من حيوان ونبات فقدّرها اللّه بحكمته وتدبيره تطلع وقتاً وتغرب وقتاً، بمنزلة سراج يرفع لأهل البيت تارة ليقضوا حوائجهم ثمّ يغيب عنهم مثل ذلك ليهدأوا ويقرّوا، فصار النور والظلمة مع تضادّهما منقادين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه.
إِلى أن يقوم عليه السّلام في آخر هذا الفصل: فكّر في هذه العقاقير وما خصّ بها كلّ واحد منها من العمل في بعض الأدواء، فهذا يغور في المفاصل فيستخرج الفضول مثل الشيطرج(4) وهذا ينزف المرّة السوداء مثل الافتيمون(5) وهذا ينفي الرياح مثل السكبينج(6) وهذا يحلّل الأورام وأشباه هذا من أفعالها،
______________________________
(1) سكوت.
(2) جثوم الليل: انتصافه.
(3) تشتدّ حرارتها.
(4) بكسر الشين وفتح الطاء، انظر شرحه في تذكرة الأنطاكي 1/153.
(5) يقول الأنطاكي في التذكرة 1/45: يوناني معناه دواء الجنون.
(6) بفتح السين وسكون الكاف، انظره في التذكرة: 1/173.
{ 161 }
فمَن جعل هذه القوى فيها إِلا من خلقها للمنفعة، ومَن فطن الناس بها إِلا من جعل هذا فيها.
إِلى أن يقول: واعلم أنه ليس منزلة الشيء على حسب قيمته بل هما قيمتان مختلفتان بسوقين، وربّما كان الخسيس في سوق المكتسب نفيساً في سوق العلم، فلا تستصغر العبرة في الشيء لصغر قيمته، فلو فطن طالِبو الكيمياء لما في العذرة لاشتروها بأنفس الأثمان وغالوا بها.
- 4 -
ثمّ أن المفضّل بكّر اليه في اليوم الرابع، فقال له الصادق عليه السّلام:
يا مفضّل قد شرحت لك من الأدلّة على الخلق والشواهد على صواب التدبير والعمد في الانسان والحيوان والنبات والشجر وغير ذلك ما فيه عبرة لمن اعتبر، وأنا أشرح لك الآن الآفات الحادثة في بعض الأزمان التي اتخذها اُناس من الجهّال ذريعة الى جحود الخالق والخلق والعمد والتدبير، وما انكرت المعطّلة والمانويّة من المكاره والمصائب، وما أنكروه من الموت والفناء، وما قاله أصحاب الطبائع، ومن زعم أن كون الأشياء بالعرض والاتفاق ليتّسع ذلك القول في الردّ عليهم، قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون.
إِتخذ اُناس من الجهّال هذه الآفات الحادثة في بعض الأزمان كمثل الوباء واليرقان والبرد والجراد ذريعة الى جحود الخلق والتدبير والخالق، فيقال في جواب ذلك: إِنه إِن لم يكن خالق ومدبّر فلِم لا يكون ما هو اكثر من هذا وأفظع ؟ فمن ذلك أن تسقط السماء على الأرض وتهوي الأرض فتذهب سفلاً، وتتخلّف الشمس عن الطلوع أصلاً، وتجفّ الأنهار والعيون حتّى لا يوجد ماء
{ 162 }
للشفة، وتركد الريح حتّى تحمّ الأشياء وتفسد، ويفيض ماء البحر على الأرض فيغرقها.
ثمّ هذه الآفات التي ذكرناها من الوباء والجراد وما أشبه ذلك ما بالها لا تدوم وتمتدّ حتّى تجتاج كلّ ما في العالم بل تحدث في الأحايين ثمّ لا تلبث أن ترفع ؟ أفلا ترى أن العالم يصان ويحفظ من تلك الأحداث الجليلة، التي لو حدث عليه شيء منها كان فيه بواره، ويلدغ أحياناً بهذه الآفات اليسيرة لتأديب الناس وتقويمهم، ثمّ لا تدوم هذه الآفات بل تكشف عنهم عند القنوط منهم، فيكون وقوعها بهم موعظة، وكشفها عنهم رحمة ؟ وقد أنكرت المعطّلة ما انكرت المانويّة من المكاره والمصائب التي تصيب الناس فكلاهما يقول إِن كان للعالم خالق رؤوف رحيم فلِم يُحدث فيه هذه الاُمور المكروهة ؟ والقائل بهذا القول يذهب به الى أنه ينبغي أن يكون عيش الانسان في هذه الدنيا صافياً من كلّ كدر، ولو كان هكذا كان الانسان يخرج من الأشرّ والعتوّ الى ما لا يصلح في دين ودنيا، كالذي ترى كثيراً من المترفين ومن نشأ في الجدة والأمن يخرجون اليه، حتّى أن أحدهم ينسى أنه بشر أو أنه مربوب أو أن ضرراً يمسّه أو أن مكروهاً ينزل به أو أنه يجب عليه أن يرحم ضعيفاً أو يواسي فقيراً أو يرثي لمبتلى أو يتحنّن على ضعيف أو يتعطّف على مكروب، فاذا عضّته المكاره ووجد مضضها اتّعظ وأبصر كثيراً ممّا كان جهله وغفل عنه، ورجع الى كثير ممّا كان يجب عليه، والمنكرون لهذه الأدوية المؤذية بمنزلة الصبيان الذين يذمّون الأدوية المرّة البشعة، ويتسخّطون من المنع من الأطعمة الضارّة ويتكرّهون الأدب والعمل، ويحبّون أن يتفرغوا للّهو والبطالة وينالوا كلّ مطعم ومشرب، ولا يعرفون ما تؤدّيهم اليه البطالة من سوء النشو والعادة، وما تعقبهم الأطعمة اللذيذة الضارّة من الأدواء والأسقام، وما لهم في الأدب من الصلاح،
{ 163 }
وفي الأدوية من المنفعة، وإِن شاب ذلك بعض المكاره.
أقول: وعلى هذا ومثله مثّل الصادق عليه السّلام أقوال اولئك الملحدين في شأن الآفات وأجاب عنها بنير البرهان، الى أن انتهى في البيان إِلى ذات الخالق تعالى في شبه الملحدين، فقال: وأنه كيف يكلّف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف ولا يحيط به.
فيقول في الجواب: إنما كلّف العباد من ذلك ما في طاقتهم أن يبلغوه وهو أن يوقنوا به ويقفوا عند أمره ونهيه، ولم يكلّفوا الإحاطة بصفته، كما أن الملِك لا يكلّف رعيّته أن يعلموا أطويل هو أم قصير، أَبيض هو أم أسمر وإِنما يكلّفهم الإذغان بسلطانه والانتهاء الى أمره، ألا ترى أن رجلاً لو أتى الى باب الملك فقال: اعرض عليّ نفسك حتّى أتقصّى معرفتك وإِلا لم أسمع لك، كان قد أحلّ نفسه العقوبة، فكذا القائل أنه لا يقرّ بالخالق سبحانه حتّى يحيط بكنهه متعرّض لسخطه.
أقول: وعلى مثل هذا البديع من البيان، والساطع من البرهان، أتمَّ الصادق عليه السّلام دروسه التي ألقاها على المفضّل بن عمر، فقال في آخر كلامه: يا مفضّل خذ ما آتيتك وكن من الشاكرين، ولآلائه من الحامدين، ولأوليائه من المطيعين، فقد شرحت من الأدلّة على الخلق والشواهد على صواب التدبير والعمد قليلاً من كثير وجزءاً من كلّ، فتدبّره وفكّر فيه واعتبر به.
يقول المفضّل: فانصرفت من عند مولاي بما لم ينصرف أحد بمثله(1).
______________________________
(1) طبع هذا التوحيد المعروف بتوحيد المفضّل عدّة مرّات ورواه في بحار الأنوار 20/ 17 - 47 وكانت الطبعات كلّها غير خالية من الغلط المطبعي، فكان النقل عنه بعد التدبّر والتطبيق، وأصحّها طبعاً ما طبع في المطبعة الحيدريّة في عام 1369 هجري. والشواهد على نسبة هذا التوحيد الى الصادق عليه السّلام كثيرة ليس هذا محلّ ذكرها.
{ 164 }
أقول: حقيق بأن يغتنم أرباب المعارف جلائل هذه الحِكم كما اغتنمها المفضّل، فقد أوضح فيها أبو عبد اللّه من حِكم الأسرار وأسرار الحِكم ما خفي على الكثير علمه وصعب على الناس فهمه.
وهذه الدروس كما دلّتنا على الحكيم في صنائعه تعالى أرشدتنا الى إِحاطته عليه السّلام بفلسفة الخلقة، بل تراه في هذه الدروس فيلسوفاً إِلهيّاً، وعالماً كلامياً، وطبيباً نطاسيّاً، ومحلّلاً كيمياويّاً، ومشرّحاً فنّيّاً، وفنّاناً في الزراعة والغرس، وعالماً بما بين السماء والأرض من مخلوقاته، وقادراً على التعبير عن أسرار الحِكم في ذلك الخلق.